أسعد السحمراني

138

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

عليكم أية مهارة هذه ؟ . وإذا كنا سنأخذ بهذا المذهب مما يجعل الكذب سمة في مجتمع ما ، فهل سيؤدي ذلك إلى التآخي والتوادّ بين أفراد المجتمع ، أم أن ذلك سيكون معول هدم لروابط الجماعة ودعائمها ؟ . الكذب بلا نقاش خلق سئ وباب للإفساد العام ، وللانهيار الاجتماعي ، وهو مدعاة لإضعاف ثقة الناس ببعضهم ، وسبيل لتباغضهم وتنافرهم ، ولذلك جاء في القرآن الكريم وعيد وتهديد للكذّابين ، من ذلك قول اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ، « 1 » وفي آية أخرى : وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ « 2 » . أما الصدق ففيه وحدة المجتمع وخلاصه فإذا « كان اللسان صادق اللهجة ، أمينا في ترجمة خوالج النفس وأغراضها ، أدى رسالة التفاهم والتواثق ، وكان رائد خير ، ورسول محبة وسلام . وإن كان متصفا بالخداع والتزوير ، وخيانة الترجمة والإعراب ( الإفصاح ) ، غدا رائد شرّ ، ومدعاة تناكر وتباغض بين أفراد المجتمع ، ومعول هدم في كيانه « 3 » . وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى مجتمع الإسلام الأول نرى أن من أسباب قوته الرئيسية الصدق الذي اقتدى به أبناء ذلك المجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي اشتهر من قبل البعثة الرسالية بلقب الصادق الأمين . وبعد ذلك جاءت النصوص الشرعية تحضّ على الصدق ، وتنفّر من الكذب وتحذّر من عواقبه ، وما ذلك إلّا لأن « الاستمساك بالصدق في كل شأن ، وتحرّيه في كل قضية ، والمصير إليه في كل حكم ، دعامة ركنية في خلق المسلم ، وصبغة ثابتة في سلوكه . وكذلك كان بناء المجتمع في الإسلام قائما على محاربة الظنون ونبذ الإشاعات واطّراح الريب ، فإن الحقائق الراسخة وحدها هي التي

--> ( 1 ) سورة غافر ، آية 28 . ( 2 ) سورة الجاثية ، آية 7 . ( 3 ) الصدر ، السيد مهدي ، أخلاق أهل البيت ، النجف ، مطبعة الآداب ، سنة 1391 ه - 1971 م ، ص 30 .